|
د . عبد المطلب محمود
يُفاجأ قارئ مجموعة الشاعر عاتي البركات الشعرية الموسومة بـ
(صاحب الحروف الأربعة)، الصادرة عن مركز الحضارة العربية في
القاهرة عام 2007، مفاجآت عدة منذ لحظة إمساكه بهذه المجموعة
الشعرية،
اذ
يُفاجئه عنوان المجموعة نفسه أولاً، أعني (صاحب الحروف
الأربعة)، الذي ينفتح على
مداليل
عديدة مثيرة للدهشة والغرابة من جهة، ومحركة للذاكرة باتجاهات
متباينة في محاولة سبر أغوار هذه
المداليل
من جهة ثانية، يلتقي بعضها بموروثات دينية أو ثقافية عامة مثل
:" صاحب الزمان" أو" صاحب الناي السحري" وغيرهما، فضلا عن تردد
احتمال مباشر بأن يكون لدال " الحروف الأربعة" مدلول مقترن
بلفظ الجلالة (اللّه) الخالق العظيم، أو (العراق) مجردا من
حرفي التعريف (الألف واللام) أو تردد احتمال أكثر قربا مدلوله
(عاتي) .. أي اسم الشاعر نفسه مثلا، وفي أي منها كثير مما هو
مفاجئ مدهش .
ثم تأتي المفاجأة اللاحقة، التي تعقب العنوان العام
للمجموعة،وأعني بها
عبارة"لن أهديه لأحد" التي يفتتح
بها
الشاعر مجموعته هذه،والتي يصر على تنفيذها بعدم كتابة أية
عبارة إهداء حين تقديمها إلى من يرغب في تقديمها إليه من
أصدقائه ومعارفه، على العكس مما جرى العُُُُُرفُ عليه بين
المؤلف وقرانه الأقربين.
ثم تلوح مفاجأة ثالثة ـ
وإنْ غير متحققة تماما
ـ
من خلال فهرس عناوين القصائد المبثوثة في هذه المجموعة، إذ
تبدأ العشرة الأولى منها بالحرف (ألف)، حتى ليتوهم القارئ
ان
الشاعر قد رتب قصائده على حسب الحروف الأبجدية، ليكتشف أنه لم
يفعل ما توهمه ابتداءً، لتكون البساطة في مضامين القصائد، وهي
بساطة عجيبة في بساطتها المتناهية بتحويله العبارات اليومية
الى
شعر مليء بالألم، إطلاقاً للأفكار والمعاني والصور
والمداليل
البَعديّة
(الأبعد عن ذهن المتلقي) أو
ال
(ما بعد الفكرة والمنى والصورة) في كل قصيدة من القصائد،
لاسيما حين تحمل القصيدة الواحدة معنىً عاما يكاد يكون مباشرا
أيما مباشرة، ثم سرعان ما ينفلت منه معنىً على درجة كبيرة من
العمق، بما يشبه انفلات طائر الهمّ من الصدر أو (طائر الهامة)
الأسطوري، الذي كان العرب يعتقدون أنه يخرج من رأس القتيل،
وأنه
لاينفك
يصرخ حتى يؤخذ بثأره من قاتله أو قاتليه، فلا يملك القاري
المتلقي إلاّ إطلاق عبارات التعّجُب والدهشة : (الله) .. (يا
سلام) .. (يا..
أه)
وغيرها، إذ تكون دهشة المفاجأة قد وصلت إلى أخر
مدياتها
ويكون الشعر قد منح الشاعر فضل القول المثير للدهشة، بينما
يكون المتلقي قد حاز لحظات من مفاجآت متلاحقة، ما أحوجه
الى
القليل منها.
ولأن المجموعة تزدحم ـ
عبر كل قصيدة فيها
ـ
بمثل هذه المفاجآت،فقد آثرت هنا أن أتوقف عند عدد من القصائد،
ولاسيما أيضا إن ما يطلقه الشاعر (عاتي البركات) من " طيور
الدهشة" مثلما أسمّّيه أكثر من أن يلم
به
أيُُ من قرائه،نظرا لغزارة إنتاجه المنشور أو
المسطور
منه على الورق بانتظار النشر، مثلما اعتاد
ان
يفعل بإطلاع أصدقائه على مسودات ما يكتب.
ففي (أسرار الفجيعة) وهي القصيدة الأولى في المجموعة، يقول
الشاعر :
"
ياليتني
مت/ قبل أن أكون أديبا/ وقبل أن تحكي أصابع عقلي / أسرار
الفجيعة/ وقبل أن أعرف / ما دارَ بين الغراب / وبين أول
ذبيحْ!!(ص7)
وذا يتمكن من تحميل قارئه "عبء" أحد اكبر الإسرار الوجودية
التي ظلت تلاحق الإنسان في حياته، منذ كينونته الأولى على وجه
الأرض،أعني ذلك الحوار المجهول/ المحتمل الذي ربما دار بين
الغراب وبين (هابيل) أول ذبيح في التاريخ البشري، مثلما هو
معروف عبر الكتب المقدسة، بعد ان
أخبرتنا هذه الكتب عما قاله (قابيل) قاتل أخيه، ولاسيما ندمه
إذ لم يعرف كيف يواري سوءة أخيه مثلما فعل الغراب
امامه، فالشاعر هنا يُبدي ندمه لاكتشافه ذلك السر دون
سواه،وهذا بحد ذاته"مكون " شعري مدهش يعبر عن قدرة الشاعر على
الإمساك بجمرة الشعر عبر "الضربة" غير المتوقعة التي ينهي بها
قصيدته، بعد
ان
قدم إشارة إدهاش مبكرة في عبارة "تحكي أصابع عقلي" التي سجل
فيها عدولا أو(انزياحا) لغويا واضحا،نقل اللغة العادية البسيطة
الى
القول الشعري،وقد جعل لعقله أصابع من جهة،منحها القدرة على
القص فهي "تحكي" شان أي كائن عاقل، من جهة ثانية، وهذا مثال
واحد تتبعه أمثلة كثيرة.
ففي قصيدة "أضاحي " يقول الشاعر :
"يقول الشيوخ / والذين هم بأمور الدين عارفون/ أذبحوا أضاحيكم
بعد فراغكم من صلاة العيد / والآن في عصر الأضاحي الذهبي /
لدينا ثلاثمائة وخمسة وستون عيدا/ في اليوم العراقي الواحد/
والأضاحي بالمجان!!"(ص13)
ولكم تبدو القصيدة مكتنزة بالسخرية المرة، لاسيما إذ يعد
الشاعر أيام السنة كلها أعيادا، وقد تجمعت كلها في" اليوم
العراقي الواحد" ثم وقد تكثفت
مدلولات هذا اليوم الطويل من دون شك، بعبارة الخاتمة /
المفاجأة : " والأضاحي بالمجان !!" مع علامتي التعجب اللتين
تشكلان بحدي ذاتيهما مدلولا
سيميائيا
يفصح عن مدى السخرية التي يقصد
اليها
الشاعر.
وإذا انتقلنا الى
قصيدة (العبادة الجديدة) سنقرأ :
" ما صليت قبل ألان / ولأصمت / ولن أصلي غدا / ولن أصوم/
للأحزاب مادمت حيا/ تعالوا معي نكفر سويا / حتى نصل
الى
/ قمة الإيمان بالوطن/ نكفر بماذا ؟!/ بكل الكراسي / وما تحت
الأرائك/ والأسرة / نكفر بكل الداخلين إلى المنطقة الخضراء/
وكل المسافرين على مقاعد(الهمرات)/
وكل الذين تحرسهم /شركات أمن أجنبية!" (ص33).
لتتكشف بمنتهى البساطة ماهية هذه العبادة الجديدة التي يريدها
الشاعر، والتي يعبر عنها بمنتهى الألم والمرارة، وبعبارات
مباشرة تماما لاتتيح
لمتلقيها أي فرصة لمعالجة
مداليلها
بأي عامل من العوامل الذهنية الخارجية إذ" قمة الإيمان بالوطن
" واضحة المعالم تماما، في مقابل دواعي الكفران واشتراطاته في
مرحلة زمنية تسودها مواصفات واضحة المعالم أيضا، يحددها الشاعر
بكثير من جدية القول المقصود لذاته، من دون مواربة
او
حاجة إلى " مُحسّنات" شعرية، وهو العارف بان أي مجاز مما اعتاد
الشعراء اللجوء
الية
لتمرير مقاصدهم من خلاله، سيكون" انزياحا" غير شعري على العكس
من الدور الحقيقي المعروف للانزياح في العملية الشعرية .
هنا يبدو الشاعر كمن يضع معادلة جديدة لطبيعة العبادة في مرحلة
متغيرة، معادلة تقول:" نكفر سويا" للوصول إلى" قمة الإيمان
بالوطن".. ولكن بماذا نكفر ؟! نكفر بكل ما حدده الشاعر من
موجبات الكفر، التي يراها آخرون موجبات للإيمان " الجديد" !!
الذي تفرضه المرحلة الزمنية الطارئةـ ولاشك ـ
على الحياة.
وفي القصيدة التالية لتلك مباشرة، والتي عنونها الشاعر بـ(القرار
الشجاع)،يكتشف المتلقي المفاجأة إذ يتبين له أن القرار المقصود
ليس قرار جهة ما رسمية أو غيرها، بل قرار مياه أنهر العراق
وجداولها وشطوطها وسواقيها، بعدم قبولها" الأجساد المكتوفة
الأيدي / والمعصوبة العيون" بما تشير إليه من اتساع ظاهرة
القتل غيلة وإلقاء جثث
المغدورين
في مياه الأنهار والسواقي، لأن هذه الأنهار تريد الأجساد حيّة
لكي تمنحها " كل ما تملك من أوكسجين / وكل ما تملك من حقوق
المواطنة ! " (ص34).
فهنا يقدم الشاعر احتجاجا مدهشا على احد ابرز أساليب القتل
التي أخذت بالشيوع في الحياة العراقية تحت الاحتلال، فهو
احتجاج صادر بصيغة (قرار شجاع) من الأنهار ومياهها، بما يعنيه
الماء من وسيلة رئيسة للحياة، مثلما تخبرنا بهذا تعاليم السماء
وعلوم الأرض، أي أن (الماء / الدال القريب) عبر عن (إرادة
الحياة/ المدلول القريب) أيضا، احتجاجا على ما يجري من اتخاذه
وسيلة معكوسة، ورفضا لان يكون هو هذه الوسيلة البشعة لإخفاء
مظاهر الموت وأسبابه وبشاعته المتمثلة بـ:
القتل غدرا وتكتيف أيدي
المغدورين
وتعصيب عيونهم وإلقاء أجسادهم فيه (الماء) .
واختصارا يمكن ان
نقرأ آخر مقطوعة في هذه المجموعة الشعرية، التي وضع الشاعر لها
عنوان (وداعا
ايها
الفرح) والتي يقول فيها
" وداعا أيها الفرح / قلتها مازحا / قبل خمس وثلاثين سنة /
وسأقولها الآن / بعد ثلاثة أعوام / من الضحك المتواصل !" (ص
90)
ذلك إن هذه المقطوعة البالغة التكثيف،تقدم تلخيصا دقيقا لما
ضمته هذه المجموعة الشعرية، التي امتلأت بالشعر المدهش، الشعر
الذي يكشف عن عمقه ومعالم ادهاشه
لمتلقيه ببساطة فائقة، مثلما يتجلى عن روح تختزن بدل المرارة
الواحدةـ أعني مرارة العيش وسط ما يجري
ـ
مرارتين
وأكثر، يمثل الأخرى بل الأخريات، إحساس الشاعر بفجيعة ضياع
احلامه
بالفرح وسعادة الإمساك بأسباب الحياة الهانئة، ليس بالنسبة له
وحده وإنما لملايين البشر في العراق، حتى لقد اخبرنا بأنه كان
يقول" وداعا أيها الفرح" على سبيل المزاح، المزاح الذي لم يعد
له مكان في
اعماقه
بعد تلك السنين الخمس والثلاثين التي قضاها في الانتظار،
مناضلا ومتشردا ومنفيا في الأصقاع البعيدة عن وطنه، بل تحول
ـ
اعني المزاح
ـ
الى"
ضحك متواصل، ولا يشي الضحك المتواصل هذا بسرور
او
سعادة
او
بهجة،اذ
هو اقرب
الى
السخرية والشعور بعبث ما ضاع وعبث ما يضيع كل يوم، إمام أعين
الشاعر وعلى مسمع منه .. وبرغم أنفه ربما !
ان
(صاحب الحروف الأربعة) العنوان الذي
تبينت
إمامنا
مداليله
المحتملة في أول المقال، قاد
ـ
وكان لابد له من
ان
يقود
ـ
الى
أبواب سرعان ما انفتحت مغاليقها، لتقدم للداخل في أروقة هذه
المجموعة الشعرية صورا مختلفة للألم الإنساني كحل وسط ما هو
فاجع ومريب، ولكن بإحساس مفعم بالرفض لا بالاستكانة، الرفض
بأسلوب الفضح
او
السخرية
او
الاستنكار لهذا الفاجع المريب، ولتكون هذه المجموعة وسواها من
مؤلفات (عاتي البركات) المتنوعة، رصدا ملحميا دقيقا لأسطورة
صبر على الفواجع يعيشها ملايين الناس في العراق، ويضيفون إليها
ما يزيدها إدهاشا باستمرار
|